عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
637
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
لإبراهيم ، حتى إذا كاد الحطب يساوي رأس الجدار سدّوا أبواب الحير وقذفوا فيه النار ، فارتفع لهبها ، حتى إن كان الطائر ليمرّ بها فيحترق من شدة حرّها ، وكانوا بنوا بيتا شامخا مسامتا للحير ، واتخذوا فوقه منجنيقا « 1 » ، فوضعوا إبراهيم في كفّة المنجنيق مقيّدا مغلولا ليرموه في النار ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم أنت الواحد في السماء ، وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فضجّت الملائكة والسماء والأرض والجبال وجميع الخلق إلا الثقلين ضجة واحدة وقالت : أي ربنا ، إبراهيم يحرق فيك ، فائذن لنا في نصرته ؟ فقال : أنا أعلم به ، وإن دعاكم فأغيثوه . فقال له خازن المياه : يا إبراهيم إن أردت أخمدت النار ، فإن خزائن الأمطار والمياه بيدي ، وأتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم : لا حاجة لي إليكما ، فقذفوه في النار وهو ابن ست عشرة سنة ، - وقيل : ست وعشرين - فقال : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فاستقبله جبريل فقال : يا إبراهيم ، ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، فقال له جبريل : فسل ربك ؟ فقال إبراهيم : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فقال اللّه : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ، فلم يبق نار على وجه الأرض إلا بطل عملها يومئذ ظنا منها أنها قد عنيت بذلك « 2 » . فسبحان من نزع عنها طبع الحر والإحراق ، وأبقى عليها وصف الضوء والإشراق .
--> ( 1 ) المنجنيق : القذاف التي ترمى بها الحجارة ، لفظ أعجمي معرّب ، وأصلها بالفارسية : ( من جي نيك ) أي : ما أجودني ( لسان العرب ، مادة : مجنق ) . ( 2 ) انظر : تاريخ الطبري ( 1 / 147 ) ، وزاد المسير ( 5 / 366 - 367 ) .